الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

93

مرآة الحقائق

--> - كان سراج الجنة الذي أجمع على فضله جماعة أهل السّنة ، الناطق بالصواب أبو حفص عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من شدة رحمته برعيّته ، لحقته امرأة ذات يوم شابة ، فقالت : يا أمير المؤمنين هلك زوجي وترك صبية صغارا ، واللّه ما يملكون كراعا ، ولا لهم زرع ولا ضرع ، وخشيت عليهم الضّياع ، وأنا ابنة خفاف الغفاري ، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فرحمها ، ووقف معها ولم يمض ، وقال : مرحبا بنسب قريب ، ثم انصرف إلى بعير كان مربوطا له فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما ، وجعل معهما نفقة وثيابا ، ثم ناولها بخطامه فقال : اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم اللّه بخير ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين أكثرت لها ، فقال عمر : ثكلتك أمك ، واللّه إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمانا ، فافتتحناه ثم أصبحنا نستضيء سهمانهما فيه رضي اللّه عنه وأرضاه . ورأى طلحة رضي اللّه عنه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه دخل بيتا ، ثم دخل بيتا آخر ، فلمّا أصبح طلحة دخل ذلك البيت ، فوجد فيه عجوزا عمياء مقعدة ، فقال لها : ما قال لك هذا الرجل الذي يأتيك ؟ فقالت له أنه يتعاهدني في كل ليلة ، يأتيني بما يصلحني ويخرج عنّي الأذى . فتأمّلوا رحمكم اللّه رحمة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخلق اللّه تعالى ، كيف كانت ؟ وغرائب أحوالهم وكرمهم في أقطار الأرض ، كيف ذاعت وشاعت ؟ . وكان هذا السيّد رضي اللّه عنه ، وأعاد علينا من بركاته يصوم الدهر ، فإذا أفطر أفطر على كسور يابسة وزيت ، فنحر يوما جزورا فأطعمها الناس ، فأتى أهله شفقة عليه ورحمة له ، فأخذوا شيئا من طيب لحمها وطبخوه له ؛ ليفطر عليه ويتقوّى به ، فقدّم له ذلك عند فطره فقال : ما هذا ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين هذا من لحم الجزور الذي نحرت اليوم ، فقال : بخ بخ بئس الوالي عمر بن الخطاب ! إن أكلت أطيبها ، وأعطيت الناس كراديسها ، ارفعوا هذه الجفنة وأعطوها للفقراء ، وأتوني بخبز وزيت ، فجعل الكسرة بيده وأثرد الخبز وأكل . هذه صفة الرّاحمين ، وطريقة الخائفين ، وأولياء اللّه المقرّبين رضي اللّه عنهم أجمعين . يحكى أنّ الشيخ ولي اللّه أبا الحسن الشاذلي نفع اللّه به قدم على تونس ، فدخل من باب المنارة في زمن غلائها ، وشدة مسغبتها ، والناس يقتتلون على شراء الخبز ، والفقراء مطرحون على الأرض من شدة الجوع . قال : فأخذتني رحمة على عباد اللّه ، فكانت عندي دريهمات ، فاشتريت بها الخبز الذي عند الخباز وحزته للفقراء ، فنظر الخباز في الدراهم قال : هذه ليست جيدة ، وأنتم المغاربة تتعاملون بالكيمياء ، قال : فرهنته برنسا في الثمن ، فإذا شيخ أحسن ما يكون سمة وهيئة قد اجتاز عليّ ، وقال لي : يا أبا الحسن هات الدراهم فأعطيتها إيّاه ، ثم ردّها ، فقال لي : هذه طيبة جيدة ، قال : فرفعتها للخبّاز فأخذها ، وأخذت برنسي ، ثم طلبت اللّه أن أعرف ذلك الرجل . فلما كان ذات يوم أتيت المسجد -